الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

5

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الجزء السابع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ تتمة سورة الأنعام ] [ 111 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 111 ] وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ( 111 ) جملة وَلَوْ أَنَّنا معطوفة على جملة وَما يُشْعِرُكُمْ [ الأنعام : 109 ] باعتبار كون جملة وَما يُشْعِرُكُمْ عطفا على جملة قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ [ الأنعام : 109 ] ، فتكون ثلاثتها ردّا على مضمون جملة وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ [ الأنعام : 109 ] إلخ ، وبيانا لجملة وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ [ الأنعام : 109 ] . روى عن ابن عبّاس : أنّ المستهزئين ، الوليد بن المغيرة ، والعاصي بن وائل ، والأسود بن عبد يغوث ، والأسود بن المطّلب ، والحارث بن حنظلة ، من أهل مكّة . أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في رهط من أهل مكّة فقالوا : « أرنا الملائكة يشهدون لك أو ابعث لنا بعض موتانا فنسألهم : أحقّ ما تقول » ، وقيل : إن المشركين قالوا : « لا نؤمن لك حتّى يحشر قصي فيخبرنا بصدقك أو ائتنا باللّه والملائكة قبيلا - أي كفيلا - » فنزل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ للردّ عليهم . وحكى اللّه عنهم وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ - إلى قوله - أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا في سورة الإسراء : [ 90 - 92 ] . وذكر ثلاثة أشياء من خوارق العادات مسايرة لمقترحاتهم ، لأنّهم اقترحوا ذلك . وقوله : وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ يشير إلى مجموع ما سألوه وغيره . والحشر : الجمع ، ومنه : وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ [ النمل : 17 ] . وضمّن معنى البعث والإرسال فعدّي بعلى كما قال تعالى : بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا [ الإسراء : 5 ] . و كُلَّ شَيْءٍ يعمّ الموجودات كلّها . لكن المقام يخصّصه بكلّ شيء ممّا سألوه ، أو من جنس خوارق العادات والآيات ، فهذا من العام المراد به الخصوص مثل قوله تعالى ، في ريح عاد تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها [ الأحقاف : 25 ] والقرينة هي ما ذكر قبله من قوله : وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى . وقوله : قُبُلًا قرأه نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر - بكسر القاف وفتح الباء - ، وهو